صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

148

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

تستشكل الآراء لقوله ، ولا يعارض نصّه بقياس . بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه . ولا يحرّف كلامه عن حقيقته لخيال يسمّيه أصحابه معقولا ، نعم هو مجهول ، وعن الصّواب معزول . ولا يوقف قبول ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلّم على موافقة أحد . فكلّ هذا من قلّة الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عين الجرأة « 1 » . ورأس الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم : كمال التّسليم له ، والانقياد لأمره ، وتلقّي خبره بالقبول والتّصديق ، دون أن يحمّله معارض خيال باطل ، يسمّيه معقولا أو يحمّله شبهة أو شكّا ، أو يقدّم عليه آراء الرّجال ، فيفرده بالتّحكيم والتّسليم ، والانقياد والإذعان ولا يرضى بحكم غيره ، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره ، على عرضه على قول شيخه وإمامه ، وذوي مذهبه وطائفته ، ومن يعظّمه ، فإن أذنوا له نفّذه وقبل خبره ، وإلّا أعرض عن أمره وخبره وفوّضه إليهم ، وربّما حرّفه عن مواضعه وسمّى تحريفه : تأويلا ، وحملا ، . فقال : نؤوّله ونحمله « 2 » . ولأن يلقى العبد ربّه بكلّ ذنب على الإطلاق عدا الشّرك باللّه - خير له من أن يلقاه بهذه الحال . يقول ابن القيّم : ولقد خاطبت يوما بعض أكابر هؤلاء ، فقلت له : سألتك باللّه ، لو قدّر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيّ بين أظهرنا ، وقد واجهنا بكلامه وبخطابه : أكان فرضا علينا أن نتّبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره كلامه ومذهبه ، أم لا نتّبعه حتّى نعرض ما سمعناه منه على آراء النّاس وعقولهم ؟ فقال : بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه . فقلت : فما الّذي نسخ هذا الفرض عنّا ؟ وبأيّ شيء نسخ ؟ فوضع إصبعه على فيه . وبقي باهتا متحيّرا . وما نطق بكلمة . وإذا كان من الأدب في حياته صلّى اللّه عليه وسلّم ألّا نرفع أصواتنا فوق صوت النّبيّ لقوله - عزّ وجلّ - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ( الحجرات / 2 ) فإنّ من الأدب معه ألّا نرفع الأصوات فوق صوته صلّى اللّه عليه وسلّم . فإنّه سبب لحبوط الأعمال فما الظّنّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنّته وما جاء به ؟ هكذا يكون الأدب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا مخالفة أمره وإشراك غيره ورفع الأصوات ، وإزعاج الأعضاء بالصّلاة عليه والتّسليم ، وعزل كلامه عن اليقين ، عن أن يستفاد منه معرفة اللّه ، أو يتلقّى منه أحكامه . إنّ الجهّال يعتمدون في باب معرفة اللّه على العقول المنهوكة المتحيّرة المتناقضة . وفي الأحكام على تقليد الرّجال وآرائها . والقرآن والسّنّة إنّما نقرؤهما تبرّكا ، لا أنّا نتلقّى منهما أصول الدّين ولا فروعه . ومن طلب ذلك ورامه عاديناه وسعينا في قطع دابره ، واستئصال شأفته « 3 » . بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ * حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا

--> ( 1 ) مدارج السالكين ( 403 - 406 ) بتصرف . ( 2 ) المرجع السابق ( 2 / 403 ) بتصرف . ( 3 ) يتحدث ابن القيم هنا عن طائفة ضلّت سبيل الحق وانتقصت من قيمة السّنّة المطهرة ، وقد ظهر لهم أذناب في عصرنا الحاضر .